الصفدي

212

الوافي بالوفيات

فقدم على المائدة جدي وكان في فمي لقمة أنا مشغول بها فلمحت موضعا من الجدي استطيبته وعملت على أن أمد يدي إليه فأخذه من كان إلى جانبي وأكله فنغص علي طعامي فاعتقدت في الحال إن الله وسع علي ومكنني أن أجعل على مائدتي لكل من حضرها جديا يخص كل واحد لا يشاركه فيه غيره ليأكل ما أحب من الجدي ولما قبض المقتدر على أبي الحسن ابن الفرات في وزارته الثانية في جمادى الأولى سنة ست وثلاثمئة طلب المقتدر حامد بن العباس وخرج الناس لتلقيه فدخل بغداد وخلع عليه للوزارة وتوجه إلى دار ابن الفرات بالمخرم ونزلها وأمر ونهى فتوجهت أم موسى القهرمانة ونصر الحاجب وشفيع المقتدري وابن الحوارى إلى أبي الحسن علي بن عيسى بن الجراح وقالوا له إن أمير المؤمنين ولى حامد بن العباس الوزارة وإنه ضعيف عن أمرها فأخرج أنت فتقلدها قال لا أفعل قالوا فعاونه ودع الاسم يكن له والأمر كله لك فأبى فعرفوا الصورة المقتدر فأمر بإجباره على ذلك فجاء علي بن عيسى فجلس بين يدي حامد فرفعه وجذبه حتى التصق معه فساره في مطالبة ابن الفرات بالأموال فقال له علي بن عيسى أما الأعمال كلها فاعملها للوزير واكفيه أمرها وأما مطالبة هؤلاء فالوزير أولى بها وأقدر عليها فكتب له حامد كتابا قلده فيه دواوين الخراج والضياع العامة والخاصة والمحدثة والمقبوضة مع حامد لما وصل بغداد أربعمئة غلام يحملون السلاح وتصرف علي بن عيسى تصرف الوزراء واشتغل حامد بن العباس بمطالبة ابن الفرات ووقعت بينه وبين علي بن عيسى المشاجرات والمناظرات في الأموال فقال بعض الشعراء من مخلع البسيط * أعجب من كل ما تراه * أن وزيرين في بلاد * * هذا سواد بلا وزير * وذا وزير بلا سواد * * فما رأينا كذين مثلا * ولا تراه إلى التناد * واستخرج حامد بن العباس من ابن الفرات ألف ألف دينار وعذبه بأنواع العذاب ولما فرغ من المصادرة بقي بلا عمل إلا اسم الوزارة والركوب يومي الموكب بسواد وسقطت حرمته ) عند المقتدر وبان عجزه فأفرد علي بن عيسى بالأمور كلها وبطل حامد بن العباس لا يأمر في شيء ولا ينهى فاستأذن حامد المقتدر في ضمان السواد وأصبهان وبعض نواحي المغرب بمال عقده على نفسه ونجمه فأمضاه المقتدر وتوجه حامد إلى نواحي ضمانه وأقام بواسط فقال بعض الشعراء من الرجز * أنظر إلى الدهر ففي عجائبه * معتبر ينسيك عن نوائبه *